محمد أبو زهرة

1970

زهرة التفاسير

وإنكارهم لا يجديهم ولا يهديهم ، ولا ينجيهم ، بل إن العقاب يوم القيامة يترقبهم ، وإنهم بقدر لجاجتهم في الإنكار يبتعدون عن طريق الهداية ، وأوغلوا في طريق الغواية ، حتى يصلوا في طريق جهنم إلى نهايته ، وأنهم لخالدون فيها ، وقد قال سبحانه وتعالى : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيداً « صد » يستعمل متعديا ، ومصدره « الصد » ، وقد تستعمل كلمة « صد » لازما ، ويكون مصدرها الصدود ، وقد جاء في مفردات الأصفهاني معنى الصد : « الصد والصدود قد يكونان انصرافا عن الشئ ، وامتناعا ، نحو يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً ( 61 ) [ النساء ] ، وقد يكون صدا ومنعا نحو : وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ ( 24 ) [ النمل ] ونحو : الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ( 1 ) [ محمد ] وكما قال تعالى : وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ ( 87 ) [ القصص ] » . والصد هنا في هذا النص الكريم بمعنى التعدي ، فمعنى النص السامي ، إن الذين جحدوا بالحق إذ جاءهم ولا يكتفون بانصرافهم عن الإذعان والإيمان ، بل يصدون غيرهم ، ويمنعونهم من الحق بإثارة الشبهات ، وإيقاد الفتن بين المؤمنين ، يوغلون في الضلال ، ويسيرون في طريقه سيرا بعيدا . ويتضمن ذلك المعنى أمورا : أولها - أن الكفر بطبيعته انصراف عن الحق وصدود عن طريقه ، ولذلك فسرنا كلمة وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بمعنى منع غيرهم من سلوك الأقوم والهادي إلى الحق الذي لا ريب فيه ، وإن الذي يصد غيره قد ابتدأ بصد نفسه ، فالمضل لغيره هو في ذات نفسه ضال ، فإن الإضلال من ثمرات الضلال ، ولا يضل الناس إلا ضال ، وقد ضل مرتين إحداهما بإنكاره للحق ، والثانية بمحاولته إضلال غيره . وثانيها - أن الضلال البعد عن الطريق المستقيم فمن ضل فقد بعد عن الحق ، ومن أضل غيره فقد بعد عن الحق بمقدار أوسع ، وهكذا كلما سار في التضليل ،